أحمد بن محمد بن سلمة الأزدي الحجري المصري الطحاوي

196

شرح معاني الآثار

ألا ترى أن رجلا لو دل وهو بمكة رجلا على صيد من صيدها كان آثما فلما كانت المدينة في ذلك ليست كمكة ثبت أن حكم صيدها خلاف حكم صيد مكة وفي هذا الحديث أيضا إباحة صيد العقيق وقد روينا عن سعد في الفصل الأول عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ما قد روينا ففي هذا ما يخالفه فأما ما في حديث سعد من إباحة سلب الذي يصيد صيد المدينة فإن ذلك عندنا والله أعلم كان في وقت ما كانت العقوبات التي تجب بالمعاصي في الأموال فمن ذلك ما قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الزكاة أنه قال من أداها طائعا فله أجرها ومن لا أخذناها منه وشطر ماله وما روى عنه فيمن سرق ثمرا من أكمامه أن عليه غرامة مثليه في نظائر من ذلك كثيرة قد ذكرناها في موضعها من كتابنا هذا ثم نسخ ذلك في وقت نسخ الربا فرد الأشياء المأخوذة إلى أمثالها إن كان لها أمثال وإلى قيمتها إن كان لا مثل لها وجعلت العقوبات في انتهاك الحرم في الأبدان لا في الأموال فهذا وجه ما روي في صيد المدينة وأما حكم ذلك من طريق النظر فإنا رأينا مكة حراما وصيدها وشجرها كذلك هذا ما لا اختلاف بين المسلمين فيه ثم رأينا من أراد دخول مكة لم يكن له أن يدخلها إلا حراما فكان دخول الحرم لا يحل لحلال كانت حرمة صيده وشجره كحرمته في نفسه ثم رأينا المدينة كل قد أجمع أنه لا بأس بدخولها للرجل حلالا فلما لم تكن محرمة في نفسها كان حكم صيدها وشجرها كحكمها في نفسها وكما كان صيد مكة إنما حرم لحرمتها ولم تكن المدينة في نفسها حراما لم يكن صيدها ولا شجرها حراما فثبت بذلك قول من ذهب إلى أن صيد المدينة وشجرها كصيد سائر البلدان وشجرها غير مكة وهذا أيضا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين